السيد عبد الله شبر
41
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
القدرة من إحدى حاشيتي الوجود إلى الأخرى ، ومن القلم الأعلى إلى القصب الأدنى ، وهذا ممّا يشاهده من انشرح صدره بنور اللَّه ويسمع بسمعه المنوّر من يدرك ويفهم تسبيح الجمادات وتقديسها وشهادتها على أنفسها بالعجز ، والمسخّرية بلسان ذلق ، أنطقها اللَّه به الذي أنطق كلّ شيء بلا حرف وصوت ما لا يسمعه الذين هم عن السمع لمعزولون . فقال بعض الناظرين من هذا المشكاة للكاغذ وقد رآه اسودّ وجهه : لم تسوّد وجهك وتشوّش بياضك بهذا السواد ؟ فقال بلسان الحال : سلوا هذا المداد الذي ورد علَيّ وغيّر هيئتي وجبلّتي . فقال للمداد : لم فعلت ذلك ؟ فقال : كنت مستقرّاً في قعر الدواة لا صعود لي بنفسي عن ذلك القعر ، فوردت علَيّ قصبة تسمّى القلم فرقاني من مقعري ، ولولا نزوله ما كان لي صعود . فقال للقلم : لم فعلت ذلك ؟ فقال : كنت قصباً نابتاً في بعض البقاع لا حركة منّي ولا سعي ، فورد علَيّ قهرمان سكّين بيد قاطع ، فقطعني عن أصلي ، ومزّق علَيّ ثيابي وشقّ رأسي ثمّ غمسني في سواد الحبر ومرارته . فقال للسكّين : لم فعلت ؟ فأشارت إلى اليد . فاعترض عليها ، فقالت : ما أنا إلّالحم ودم وعظم حرّكني فارس يقال له القدرة فاسألها . فلمّا سألها عن ظلمها وتعدّيها على اليد أشارت إلى الإرادة . فقال لها : ما الذي قوّاك على هذه القدرة الساكنة المطمئنّة ؟ فقالت : لا تعجل لعلّ لنا عذراً وأنت تلوم ، فإنّي ما انبعثت بنفسي ولكن بعثني حكم حاكم وأمر جازم من حضرة القلب - وهو رسول العلم على لسان العقل - بالإشخاص للقدرة والإلزام لها في الفعل ، فإنّي مسكين مسخّر تحت قهر العلم والعقل ، فلا أدري بأيّ جرم سخّرت لهما وألزمت لهما الطاعة ، لكنّي أدري أنّ تسخيري إيّاها بأمر هذا الحاكم العادل أو الظالم .